حسن الأمين

179

مستدركات أعيان الشيعة

عقيدته ينقل ( الأعيان ) عن المرزباني قوله : كان شاعر أهل الحجاز في الإسلام لا يقدمون عليه أحدا وكان أبرش قصيرا . . . وكان يتشيع ويظهر الميل إلى آل رسول الله وهجا عبد الله بن الزبير لما كان بينه وبين بني هاشم . وكان شاعر بني مروان وخاصا بعبد الملك وكانوا يعظمونه ويكرمونه . ( 1 ) من هنا تبدأ مشكلة البحث في عقيدة كثير : كيف كان يتشيع وكيف كان شاعر بني مروان ؟ طه حسين حل هذه المشكلة ببساطة عندما اتهم كثيرا بالنفاق السياسي يقول : كان ذا مذهب سياسي ، أو قل كان له مذهبان متناقضان أشد التناقض يرجعان آخر الأمر إلى مذهب واحد معروف في ذلك الوقت هو النفاق السياسي . كان فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين الله متشيعا غاليا في التشيع يرى مذهب الكيسانية ويقدم محمد بن الحنفية ويؤمن بالرجعة . وله في ذلك أعاجيب وشعر جيد . وكان فيما بينه وبين الناس نصيرا لبني أمية يمدحهم ويغلو في مدحهم ويعاشرهم ويفاخر بعشرتهم . ( 2 ) ولكن هل الأمر بهذه البساطة فعلا ؟ صاحب الفرق بين الفرق يعتبر كثيرا شاعر الكيسانية الأول والكيسانية على حد زعمه من فرق الرافضة وهم اتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي قام بثار الحسين بن علي بن أبي طالب وقتل أكثر الذي قتلوا حسينا بكربلاء وكان المختار يقال له كيسان ( 3 ) وقيل إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي رضي الله عنه كان اسمه كيسان . ثم يضيف : وكان كثير الشاعر على مذهب الكيسانية الذين ادعوا حياة محمد بن الحنفية ولم يصدقوا بموته ولذا قال في قصيدة له : ألا أن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء ويجيبه عبد القاهر عن أبياته بقوله : ولاة الحق أربعة ولكن لثاني اثنين قد سبق العلاء وفاروق الورى أضحى إماما وذو النورين بعدله الولاء علي بعدهم أضحى إماما بترتيبي لهم نزل القضاء ومبغض من ذكرناه لعين وفي نار الجحيم له الجزاء وأهل الرفض قوم كالنصارى حيارى ما لحيرتهم دواء ثم يضيف وقال كثير في رفضه : برئت إلى الاله من ابن أروى ومن دين الخوارج أجمعينا ومن عمر برئت ومن عتيق غداة دعي أمير المؤمنينا ويجيبه عبد القاهر : برئت من الاله ببغض قوم بهم أحيا الاله المؤمنينا وما ضر ابن أروى منك بغض وبغض البر دين الكافرينا أبو بكر به جذ لي إمام على رغم الروافض أجمعينا وفاروق الورى عمر بحق يقال له أمير المؤمنينا ( 4 ) وواضح من أبيات كثير انه لم يجعل إلا للإمام علي وبنيه وحدهم الحق في لقب الامام وإمارة المؤمنين أما من حملوا هذين اللقبين من غيرهم فهم غاصبون . ولم تكن تطرح قضية عقيدة كثير لولا شعره الذي قاله في بني مروان إلى حد جعل البعض يطلق عليه لقب شاعر بني مروان . بل أن الإمام محمد الباقر ع قرعه بقوله : كيف يقبل طبعك على مدح أعدائنا ؟ فزعم له بأنه لم يكن يمدحهم وإنما كان يموه عليهم وإنه يجعلهم حيات وعقارب ليأخذ أموالهم وإنه لم يقل لعبد الملك في ذلك المدح إنه « إمام الهدى » بل قال إنه شجاع والشجاع اسم للثعبان أيضا وإنه قال أسد والأسد اسم للكلب ( 5 ) ويعني بهذا قوله في عبد الملك ! يقلب عيني حية بمحارة إذا أمكنته شدة لا يقيلها ولكن مما لا ريب فيه إنه في كل مدائحه لبني مروان وتأييده لخلافتهم لم يكن صادرا عن إيمان بحقهم الشرعي فيها . وإنما كان يقول ما يقول خوفا من الموت وتشبثا في الحياة . وغير خاف على أحد الذي عاناه أهل البيت وشيعتهم من تعسف الحكم الأموي وقتله وتشريده لآل البيت واتباعهم مما هو معروف ومتداول في كتب التاريخ كافة . كما أن كثيرا لم يكن الشاعر الوحيد الذي عرف ما يمكن أن نسميه « ازدواجية الولاء » فالفرزدق كان كذلك ، والكميت بن زيد شاعر الشيعة وصاحب « الهاشميات » وجد نفسه مضطرا أن يقول : الآن صرت إلى أمية والأمور لها مصائر أنتم معادن للخلافة كابرا من بعد كابر ( 6 ) وابن قيس الرقيات شاعر الزبيريين الذي ظل طيلة حياته يصول بشعره على عبد الملك كان عليه أن يقول بعد مقتل ابن الزبير أمام عبد الملك : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون أن غضبوا وإنهم معدن الملوك فلا تصلح إلا عليهم العرب ( 7 ) ويكفي ان نذكر ان أكبر طاغيتين عرفهما العرب أعني زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف كانا من ولاة بني أمية وملفت للنظر ان يجمع الرواة والمؤرخون على التأكيد على تشيع كثير ورفضه على الرغم من كثرة ما قاله من شعر في مديح بني مروان مما يعني أنه كان كذلك بالفعل وإن جل همه أن يحمي رأسه وسلوكه الفعلي بأقوال لا يعنيها بالضرورة . ويبدو أن هذه الحقيقة لم تكن تخفي على ملوك بني أمية . لما عزم عبد الملك المسير إلى مصعب بن الزبير نظر فرأى كثيرا في ناحية من عسكره يسير مطرقا فدعا به وقال : لأعلم ما أسكتك وألقى عليك بشك . فان أخبرتك عنه أتصدقني ؟ قال : نعم . قال : قل وحق أبي تراب لتصدقني . قال : والله لأصدقنك . قال : لا أو تحلف به . فحلف به . فقال : تقول رجلان من قريش يلقى أحدهما صاحبه فيحاربه القاتل والمقتول في النار فما معنى سيري مع أحدهما إلى الآخر ولا أمن سهما عائرا لعله أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما ؟ فقال والله يا أمير المؤمنين ما أخطات قال : فارجع من قريب وأمر له بجائزة . ( 8 ) وأخلص كثير في مديحه لعمر بن عبد العزيز إخلاصا مبعثه موقف عمر من آل البيت حيث منع شتم علي ع واعتبر كثير هذا الموقف من أبرز ماثر عمر بن عبد العزيز على كثرتها :

--> ( 1 ) أعيان الشيعة 9 : 25 . ( 2 ) حديث الأربعاء 1 : 286 . ( 3 ) الفرق بين الفرق : 27 . ( 4 ) م . ن : 28 ، 29 . ( 5 ) الموشح : 144 . ( 6 ) روضات الجنات 1 : 511 . ( 7 ) العصر الإسلامي : 298 ، 299 . ( 8 ) الأغاني 9 : 21 ، 22 .